أحمد بن محمد القسطلاني
57
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
وقال المرداوي من الحنابلة في مقنعه : وللمكاتب الأخذ أي من الزكاة قبل حلول نجم ويجزئ أن يشتري منها رقبة لا تعتق عليه فيعتقها ولا يجزئ عتق عبده ومكاتبه عنها ، وهو موافق لما رواه ابن أبي حاتم وأبو عبيد في الأموال بسند صحيح عن الزهري أنه كتب لعمر بن عبد العزيز أن سهم الرقاب يجعل نصفين : نصف لكل مكاتب يدعي الإسلام ونصف يشتري به رقاب من صلّى وصام وعدل من اللام إلى في قوله : { وفي الرقاب } للدلالة على أن الاستحقاق للجهة لا للرقاب ، وقيل للإيذان بأنهم أحق بها ( { وفي سبيل الله } ) [ التوبة : 60 ] أي وللصرف في الجهاد بالإنفاق على المتطوّعة به ولو كانوا أغنياء لقوله عليه الصلاة والسلام : " لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة لغاز في سبيل الله " وخصه أبو حنيفة بالمحتاج ، وعن أحمد الحج من سبيل الله . ( ويذكر ) بضم أوله وفتح ثالثه ( عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ) مما وصله أبو عبيد في كتاب الأموال عن مجاهد عنه : ( يعتق ) الرجل بضم التحتية وكسر الفوقية ( من زكاة ماله ) الرقبة ( ويعطي ) منها ( في الحج ) المفروض للفقير ، وبه قال أحمد محتجًّا بقول ابن عباس هذا مع عدم ما يدفعه ، ثم رجع عنه كما في رواية الميموني لاضطرابه لكونه اختلف في إسناده على الأعمش ، ومن ثم لم يجزم به المؤلّف بل أورده بصيغة التمريض لكن جزم المرداوي بصحته في العتق والحج وعلى قوله الفتوى عند الحنابلة . ( وقال الحسن ) : البصري ( إن اشترى أباه من الزكاة جاز ) هذا بمفرده وصله ابن أبي شيبة بلفظ : سئل الحسن عن رجل اشترى أباه من الزكاة فأعتقه ، قال : اشترى خير الرقاب ( ويعطي في المجاهدين ) في سبيل الله ( والذي لم يحج ) إذا كان فقيرًا ( ثم تلا ) الحسن قوله تعالى : ( { إنما الصدقات للفقراء } ) [ التوبة : 60 ] ومفهوم تلاوته للآية أنه يرى أن اللام في للفقراء لبيان المصرف لا للتمليك فلو صرف الزكاة في صنف واحد كفى ( وفي أيها ) أي أيّ مصرف من المصارف الثمانية ( أعطيت أجزأت ) بسكون الهمزة وفتح التاء ، ولأبي ذر : أجزأت بفتح الهمزة وسكون التاء ، وفي بعض النسخ أجزت بغير همزة مع تسكين التاء أي قضت عنه ، وفي بعضها أجرت بضم الهمزة وسكون الراء من الأجر . ( وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : مما يأتي موصولاً في هذا الباب إن شاء الله تعالى : ( إن خالدا احتبس أدراعه في سبيل الله ) بفتح الراء وألف بعدها ، ولأبي ذر : أدرعه بضمها من غير ألف ( ويذكر ) بصيغة التمريض ( عن أبي لاس ) بسين مهملة منوّنة بعد ألف مسبوقة بلام ، ولأبي الوقت زيادة : الخزاعي . قال في فتح الباري ؛ وتبعه العيني : اختلف في اسمه فقيل عبد الله ، وقيل زياد بن عنمة بمهملة ونون مفتوحتين وكذا قال في الإصابة ، وقال في المقدمة يقال اسمه عبد الله بن عنمة ولا يصح ، وقال في تقريب التهذيب والصواب أنه غيره انتهى . ولأبي لاس هذا صحبة وحديثان . هذا أحدهما وقد وصله ابن خزيمة والحاكم ( حملنا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على إبل الصدقة للحج ) ولفظ أحمد على إبل من إبل الصدقة ضعاف للحج فقلنا يا رسول الله ما نرى أن تحمل هذه فقال : " إنما يحمل الله " الحديث ورجاله ثقات إلا أن فيه عنعنة ابن إسحاق ولهذا توقف ابن المنذر في ثبوته ، وأورده المؤلّف بصيغة التمريض . 1468 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ : " أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالصَّدَقَةِ ، فَقِيلَ : مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ . فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا ، قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَأَمَّا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَعَمُّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهْيَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ وَمِثْلُهَا مَعَهَا " . تَابَعَهُ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ . وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ " هِيَ عَلَيْهِ وَمِثْلُهَا مَعَهَا " . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : حُدِّثْتُ عَنِ الأَعْرَجِ بِمِثْلِهِ . وبالسند قال : ( حدّثنا أبو اليمان ) الحكم بن نافع قال : ( أخبرنا شعيب ) هو ابن أبي حمزة ( قال : حدَّثنا أبو الزناد ) عبد الله بن ذكوان ( عن الأعرج ) عبد الرحمن بن هرمز ( عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : أمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالصدقة ) ، الواجبة أو صدقة التطوّع ، ورجحه بعضهم تحسينًا للظن بالصحابة إذ لا يظن بهم منع الواجب ، وعلى هذا فعذر خالد واضح لأنه أخرج ماله في سبيل الله فما بقي له مال يحتمل المواساة ، وتعقب بأنهم ما منعوه جحدًا ولا عنادًا ، أما ابن جميل فقد قيل إنه كان منافقًا ثم تاب بعد كما حكاه المهلب . قيل وفيه نزلت { وما نقموا } الآية إلى قوله : { فإن يتوبوا يك خيرًا لهم } [ التوبة : 74 ] فقال استتابني الله ، فتاب وصلح حاله والمشهور نزولها في غيره ، وأما خالد فكان متأوّلاً بإجزاء ما حبسه عن الزكاة فالظاهر أنها الصدقة